الغاز الحيوي مصدر بديل للطاقة للتجمعات الريفية ومزارع الأبقار والدواجن


د. يوسف محمد رشدي الزغول


تعاني التجمعات الإنسانية في كافة القارات من مستوى عالي للتلوث في التربة والماء والهواء. يتسبب هذا التلوث في انبعاث الغازات للغلاف الجوي والذي يتسبب في ظاهرة الانحباس الحراري Green house effect والذي يؤدي إلى رفع حرارة الأرض مما يهدد بحدوث كوارث بيئية كبيرة خصوصا للمناطق الساحلية والمناطق المنخفضة... الخ. إن السبب الرئيس لهذا التلوث هو استخدام الطاقة الأحفورية في النشاطات الإنسانية المختلفة من صناعة ونقل وتدفئة....... الخ.وحيث أن هذه المصادر يتراجع مخزونها وأصبحت أسعارها مرتفعة لذا تسعى دول العالم إلى البحث عن مصادر متجددة كبديل لمصادر الطاقة التقليدية ومن هذه المصادر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الحيوية.

الطاقة الحيوية يمكن أن توفر عن طريق حوامل الطاقة الحيوية ذات الشكل الصلب عن طريق حرق الأخشاب Gasification أو عن طريق حوامل الطاقة الحيوية ذات الشكل السائل عن طريق عصر النباتات الزيتية ومعالجتها لإنتاج الديزل الحيوي، أو عن طريق حوامل الطاقة الحيوية ذات الشكل الغازي أي تحويل الكتل العضوية إلى حوامل طاقة ذات شكل غازي وهو الغاز الحيوي.

تعتمد تقنية إنتاج الغاز الحيوي على تخمير المواد العضوية تخميرا لا هوائيا بواسطة الكائنات الدقيقة في حوض التخمير تحت درجات حرارة ملائمة فينتج الغاز الحيوي وسماد عضوي ذو صفات جيدة.

الغاز الحيوي الناتج يحتوي على الميثان بمعدل 60 % وثاني أكسيد الكربون بنسبة 35% وبعض الشوائب مثل بخار الماء والنتروجين والأكسجين والهيدروجين والامونياك وكبريتيد الهيدروجين. هذا الغاز يمكن أن يستخدم في الوقود والتدفئة مباشرة كما أنه يميكن تنقيته واستخدامه في تشغيل المولدات الكهربائية أو يمكن تخزينه لاستعماله مستقبلا لتشغيل الآلات.
المواد العضوية الممكن تخميرها هي الفضلات العضوية من المنازل وروث الحيوانات وزرق الدواجن ومخلفات المحاصيل الزراعية ومحلفات الصناعات الغذائية.

أحواض التخمير يمكن أن يستخدم في إنشائها صفائح الحديد أو ألفيبر جلاس أو البلاستيك أو تبنى من الطوب والاسمنت. وهناك تصاميم متعددة لهذه الأحواض مثل النموذج الهندي ذو القبة المتحركة أو النموذج الصيني ذو القبة الثابتة. هذه المنشآت يمكن أن تكون صغيرة باستطاعة أقل من 50 كيلووات ومنشآت متوسطة باستطاعة تتراوح من 50 إلى 150 كيلووات ومنشآت كبيرة باستطاعة تتراوح من 150 إلى 500 كيلووات كفاءة عملية إنتاج الغاز الحيوي تتأثر بنوع المادة العضوية وكيفية معاملتها في حوض الإدخال من حيث تفتيتها وخلطها بالماء بنسب معينة وكذلك درجة الحرارة في حوض التخمير. كلما كانت الحرارة أعلى أمكن الحصول على الغاز في وقت أقل.

ينتج الأردن الغاز الحيوي حاليا من مكب نفايات الرصيفية ويحول للطاقة الكهربائية بسعة تصل إلى 5,3 ميجا وات وكذلك بوشر حديثا في مشروع آخر في مكب نفايات الاكيدر بسعة بصل إلى 2-3 ميجا وات.

يمكن أن يستفاد من تكنولوجيا الغاز الحيوي في توفير الطاقة لمزارع الأبقار والدواجن في الأردن أما الأغنام والماعز فيصعب استخدام هذه التكنولوجيا لصعوبة جمع روث هذه الحيوانات لأنها تعتمد على الرعي .

يوجد في الأردن حوالي 750 مزرعة أبقار تحوي 65 ألف رأس، ينتج كل رأس من 28 الى 40 كغم من الروث يوميا. إن مزرعة مؤلفة من سبع بقرات قادرة على إمداد مخمر صغير لإنتاج 10 م 3 من الغاز الحيوي، أي ما يعادل 65 كيلووات ساعي تكفي احتياجات منزل مجهز تجهيزا جيدا بكافة اللوازم الكهربائية.

في المزارع التي تحوي أعداد أكير من رؤؤس البقر يمكن أنتاج الغاز وتحويله إلى كهرباء يمكن بيعها بما يعود بفائدة كبيرة على المزارع. هذا بالإضافة لاستعمال أو بيع السماد العضوي المنتج من عملية التخمير.

يوجد في الأردن ما يزيد عن 2500 مزرعة دواجن لاحم وبياض ومزارع أمهات لاحم وبياض تبلغ سعتها حوالي 40 مليون طير. تحتاج مزارع الدجاج اللاحم للتدفئة من عمر يوم لغاية الأسبوع الثالث وفي حالة البرد الشديد حتى الأسبوع الرابع. أما مزرعة الدجاج البياض فتحتاج للتدفئة في الفترة الأولى حتى الأسبوع الرابع تقدر كلفة التدفئة في مزارع الدواجن اللاحم حوالي 200 دينار لتدفئة 2000 طير في الشتاء وحوالي 100 دينار بقية أيام السنة وهذا يشكل نسبة كبيرة من تكاليف الإنتاج. أن تخمير زرق الدواجن بقصد أنتاج الغاز الحيوي يؤدي إلى أنتاج غاز كاف لإنارة وتدفئة المزرعة وفي حالة المزارع ذات السع العالية يمكن أن يحول الغاز إلى كهرباء. أن بيع الكهرباء والسماد العضوي المنتج يوفر دخلا إضافيا للمزارع. كما أن تخمير الفضلات يساعد على التخلص من الفضلات ويوفر بيئة صحية لعمليات الإنتاج.

المجتمعات الريفية في الأردن تحصل على الطاقة باستخدام المشتقات البترولية والكهرباء . ونتيجة ارتفاع قيمت هذه المصادر يلجا السكان للتعدي على الغابات حيث يقوموا بقطع الأخشاب أو اقتلاع الشجيرات لبيعها أو استخدامها للوقود والتدفئة. أن تخمير المخلفات العضوية لهذه المنازل ينتج غاز يكفي لحاجة المنزل من وقود وتدفئة كما أنه ينتج سماد عضوي يمكن أن يستخدم لتسميد الأرض وزيادة إنتاجيتها.

مما سبق يتضح أن تخمير المواد العضوية بقصد أنتاج الغاز الحيوي يحقق فوائد اقتصادية واجتماعية كبيرة نجملها بما يلي:

1. استعمال الحرارة الناتجة عن حرق الغاز لأغراض الوقود والتدفئة في المنازل والمزارع.
2. توليد التيار الكهربائي وخصوصا في المناطق النائية والمزارع البعيدة التي لا يصلها التيار الكهربائي من الشبكة الوطنية.

3 . أنتاج سماد عضوي ذو مواصفات جيدة وقيمة عالية للتربة. حيث أن السماد الناتج يكون خالي من الروائح الكريهة غير جاذب للحشرات خصوصا الذباب خالي من الديدان كما أن محتواه من عناصر البوتاس والفسفور والنيتروجين عالي.
4. يمكن تكييف بناء وحدات توليد الغاز الحيوي حسب احتياجات أي تجمع سكاني أو مزرعة مما يساعد في إدخال اللامركزية في أدارة المخلفات وعدم وجوب نقلها إلى المطامر والمحارق حيث أن كلفة التخلص من القمامة عالية جدا.

5. التخلص من المخلفات الزراعية والمنزلية باستخدام منشآت الغاز الحيوي يساهم مساهمة كبيرة في حماية المياه الجوفية من التلوث.

6. إن أنتاج الغاز الحيوي يساهم مساهمة كبيرة في حماية البيئة وخاصة الغلاف الجوي من التلوث بالغازات الضارة التي تصدر عن تخمر المواد العضوية تخمرا عشوائيا بالإضافة إلى مساهمته الفعالة في تقوية الاقتصاد الزراعي وتأمين فرص عمل لسكان الريف مما يحد من الهجرة من الريف للمدن.كذلك تساعد هذه العملية على تحسين الوضع الصحي العام.
لتبني هذه التكنولوجيا في المناطق الريفية ومزارع الدواجن والأبقار اقترح أن يقوم المركز الوطني للبحث والإرشاد الزراعي بالتعاون مع المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا المركز الوطني لبحوث الطاقة ووزارة البيئة ووزارة الشؤون البلدية والقروية تمويل مشروع لإنتاج الغاز الحيوي بحيث تنفذ مشاريع ريادية في مزارع الأبقار ومزارع الدواجن والتجمعات السكانية الريفية في كافة المحافظات بحيث يمكن إطلاع المزارعين وتدريبهم على هذه التكنولوجيا وكذلك تجرى البحوث العلمية لتطوير هذه العمليات.